حسن الأمين

157

مستدركات أعيان الشيعة

الشيخ الجليل المسند العالم ، حدث عن أبيه وأخيه المحدث أبي العباس محمد وأخيه الآخر احمد . ثم عدد من حدث عنهم ، إلى أن وصل إلى الفقيه أبي زيد المروزي فقال : حمل عنه صحيح البخاري . وروى عن خلق كثير ، وكان مسند أهل الشام في زمانه . ثم عد من حدثوا عنه ، ثم قال : قال الكتاني : كان فيه تشيع وتساهل . وقال أبو الوليد : فيه تشيع يفضي إلى الرفض ، وهو قليل المعرفة ، في أصوله سقم . ثم يقول الذهبي : مات في صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ، وقد كمل التسعين ، وتفرد بالرواية عن ابن أبي العقب وطائفة ، ولعل تشيعه كان تقية لا سجية ، فإنه من بيت الحديث ، ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض ، بل ومصر والمغرب بالدولة العبيدية ، بل والعراق وبعض العجم بالدولة البويهية ، واشتد البلاء دهرا وشمخت الغلاة بأنفها ، وتواخى الرفض والاعتزال حينئذ ، والناس على دين الملك ، نسأل الله السلامة في الدين . ( انتهى ) . هذا هو أسلوب الذهبي دائما ، وهذه هي ذهنيته ، ولم يبال في عصبيته العمياء من أن ينسب العمل بالتقية إلى علماء السنة ، وقد كان هو وأمثاله يعيبون على الشيعة ويشنعون لاستعمالهم التقية . على أن الذهبي الناصبي مفتر في نسبة التقية إلى المترجم ، ولو لم يكن الرجل شيعيا مخلصا لما تظاهر بالتشيع ، لأنه لم يكن بحاجة إلى ذلك في عصر الفاطميين الذين يسميهم الذهبي ( العبيديين ) ، فقد كانوا يكرمون العالم لعلمه ولا يهمهم المذهب الذي ينتمي اليه . والذهبي نفسه يعترف بذلك ، فهو حين يترجم لأحمد بن محمد الجرواني ويصفه بالإمام العلامة المحدث الحافظ المفتي يقول : « قال عبد القادر الرهاوي : كان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفته في المذهب - يريد عبد القادر : الملوك الباطنية المتظاهرين بالرفض » . وهكذا - باعتراف الذهبي لم يكن للعالم المخالف للفاطميين في المذهب الحرية الكاملة فقط ، بل كان له عندهم الجاه والكلمة النافذة أيضا ، ومن يكون هذا شأنهم لا يحتاج ( ابن السمسار الدمشقي ) لأن يتقي منهم . وإذا كان الذهبي بمثل هذا النصب والعصبية وهو يعيش في العصور المظلمة ، فان ( الدكتور ) بشار عواد و ( الدكتور محيي هلال السرحان ) محققي كتابه اللذين يعيشان في الربع الأخير من القرن العشرين ويحمل كل منهما لقب ( الدكتور ) لم يكونا أقل منه نصبا وعصبية ، فقد علقا في الحاشية على كلمة ( ملوك مصر الباطنية ) وفسراها بقولهما : يعني الملوك العبيديين المعروفين عند بعض المؤرخين خطا بالفاطميين . الأفضل أبو الحسن علي بن يوسف صلاح الدين الأيوبي . مرت ترجمته في الصفحة 371 من المجلد الثامن ونزيد عليها هنا ما ذكره الذهبي في كتابه ( سير أعلام النبلاء ) : تملك دمشق ، ثم حاربه العزيز أخوه وقهره ، ثم لما مات العزيز أسرع الأفضل إلى مصر ، وناب في الملك وسار بالعسكر المصري ، فقصد دمشق وبها عمه العادل ، قد بادر إليها من ماردين قبل مجيء الأفضل بيومين ، فحصره الأفضل ، وأحرق الحواضر والبساتين ، وعمل كل قبيح ، ودخل البلد ، وضجت الرعية بشعاره ، وكان محبوبا ( 1 ) ، فكاد العادل ان يستسلم ، فتماسك ، وشد أصحابه على أصحاب الأفضل فاخرجوهم . ثم قدم الظاهر ومعه صاحب حمص ، وهموا بالزحف فلم يتهيأ أمر . ثم سفل أمر الأفضل وعاد إلى صرخد ، ثم تحول إلى سميساط وقنع بها . وفيه تشيع بلا رفض ، وله نظم وفضيلة ، واليه عهد أبوه بالسلطنة لما احتضر ، وكان أسن إخوته ، وهو القائل في عمه العادل : ذي سنة بين الأنام قديمة أبدا أبو بكر يجور على علي ( 2 ) مات الأفضل فجاة بسميساط في صفر سنة اثنتين وعشرين وست مائة ، وهي قلعة على الفرات قريبة من الكختا وقد دثرت الآن . عاش ستا وخمسين سنة ، وله ترسل وفضيلة وخط منسوب . قال عز الدين ابن الأثير : وكان من محاسن الدنيا ، لم يكن له في الملوك مثل . كان خيرا عادلا فاضلا حليما كريما رحمه الله تعالى . عمرو بن دينار الجمحي مولاهم المكي الأشرم . وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بالإمام الكبير الحافظ أحد الاعلام وشيخ الحرم في زمانه . ولد في امرة معاوية وسمع من ابن عباس وجابر بن عبد الله وابن عمر وأنس بن مالك وعبد الله بن جعفر وأبي الطفيل وغيرهم من الصحابة ، وكان من كبار التابعين أفتى بمكة ثلاثين سنة وكان من أوعية وأئمة الاجتهاد . قال شعبة : ما رأيت في الحديث أثبت من عمرو بن دينار ، وقال ابن عيينة : كان عمرو لا يدع إتيان المسجد ، كان يحمل على حمار ما ركبه الا وهو مقعد ، وكان يقول : أحرج على من يكتب عني فما كتبت عن أحد شيئا ، كنت أتحفظ . قال كان يحدث بالمعنى ، وكان فقيها . قال عبد الله بن أبي نجيح : ما رأيت [ أحد ] أحدا قط أفقه من عمرو بن دينار ، ولا عطاء ولا مجاهدا ولا طاوسا . وقال ابن عيينة : عمرو ثقة ثقة ثقة ، قال كان عمرو من أبناء الفرس . قال يحيى بن معين : أهل المدينة لا يرضون عمرا يرمونه بالتشيع والتحامل على ابن الزبير ، ولا بأس به ، وهو بريء مما يقولون . إسحاق السلولي : حدثنا عمرو بن ثابت ، سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر يقول : إنه ليزيدني في الحج رغبة لقاء عمرو بن دينار ، فإنه يحبنا ويفيدنا . قال عبد الله بن محمد الزهري : حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح ، قال : لم يكن بأرضنا اعلم من عمرو بن دينار ولا في جميع الأرض . روى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن سفيان قال : كان عمرو بن دينار جزأ الليل ثلاثة اجزاء ، ثلثا ينام ، وثلثا يدرس حديثه ، وثلثا يصلي . هارون بن معروف ، حدثنا سفيان ، قلت لمسعر : من رأيت أشد تثبتا في الحديث ممن رأيت ؟ قال : ما رأيت مثل القاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن دينار . قال أحمد بن حنبل : كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدا لا الحكم ولا غيره في الثبت ، قال : وكان عمرو مولى هؤلاء ولكن الله شرفه بالعلم . قال ابن أبي عمر : سمعت سفيان يقول : ما كان أثبت عمرو بن دينار .

--> ( 1 ) هذه متناقضات في قول الذهبي ، فكيف يجتمع حرق الحواضر والبساتين وعمل كل قبيح ، مع كونه محبوبا تضج الرعية بشعاره ، ومع الصفات التي يذكرها عنه ابن الأثير كما ستراه ؟ ! ولعل هناك غموضا في تعبير الذهبي وان الضمير في ( حرق ) و ( عمل ) يعود إلى العادل . ( 2 ) اسم العادل : أبو بكر « ح » .